ابن كثير
269
البداية والنهاية
صلى الله عليه وسلم لقيهما في سقيفة بني ساعدة فقال : " أتحبه يا زبير ؟ فقال : وما يمنعني ؟ قال : فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له ؟ " قال : فيرون أنه إنما ولي لذلك . قال البيهقي : وهذا مرسل وقد روي موصولا من وجه آخر . أخبرنا أبو بكر محمد ( 1 ) بن الحسن القاضي أنا أبو عامر ( 2 ) بن مطر أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن سوار الهاشمي الكوفي ، أنا منجاب بن الحارث ثنا عبد الله بن الأجلح ، ثنا أبي عن مرثد الفقيه عن أبيه . قال : وسمعت فضل بن فضالة يحدث عن حرب بن أبي الأسود الدؤلي - دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه - قال : لما دنا علي وأصحابه من طلحة والزبير ، ودنت الصفوف بعضها من بعض ، خرج علي وهو على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى : ادعوا لي الزبير بن العوام فإني علي ، فدعي له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما ، فقال علي : يا زبير ! نشدتك الله ، أتذكر يوم مر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مكان كذا وكذا ، فقال : " يا زبير ألا تحب عليا ؟ فقلت : ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني ؟ فقال : يا زبير أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له ؟ " فقال الزبير : بلى ! والله لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكرته الآن ، والله لا أقاتلك . فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف ، فعرض له ابنه عبد الله بن الزبير ، فقال : مالك ؟ فقال : ذكرني علي حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعته يقول : " لتقاتلنه وأنت ظالم له " فقال : أو للقتال جئت ؟ إنما جئت لتصلح بين الناس ويصلح الله بك هذا الامر ، قال : قد حلفت أن لا أقاتله ، قال : أعتق غلامك سرجس وقف حتى تصلح بين الناس . فأعتق غلامه ووقف ، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه ، قالوا : فرجع الزبير إلى عائشة فذكر أنه قد آلى أن لا يقاتل عليا ، فقال له ابنه عبد الله : إنك جمعت الناس ، فلما تراءى بعضهم لبعض خرجت من بينهم ، كفر عن يمينك واحضر . فأعتق غلاما ، وقيل غلامه سرجس . وقد قيل إنه إنما رجع عن القتال لما رأى عمارا مع علي وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " فخشي أن يقتل عمار في هذا اليوم . وعندي أن الحديث الذي أوردناه إن كان صحيحا عنه فما رجعه سواه ، ويبعد أن يكفر عن يمينه ثم يحضر بعد ذلك لقتال علي والله أعلم . والمقصود أن الزبير لما رجع يوم الجمل سار ( 3 ) فنزل واديا يقال له وادي السباع ، فاتبعه رجل يقال له عمرو بن جرموز ، فجاءه وهو نائم فقتله غيلة كما سنذكر تفصيله . وأما طلحة فجاءه في
--> ( 1 ) في دلائل البيهقي : أحمد 6 / 414 . ( 2 ) في دلائل البيهقي : أبو عمرو 6 / 414 . ( 3 ) ترك الزبير معسكره تائبا وهو يقول أبياتا مطلعها : ترك الأمور التي تخشى عواقبها * لله أجمل في الدنيا وفي الدين انظر الأبيات في فتوح ابن الأعثم 2 / 312 وتهذيب ابن عساكر 5 / 365 وحلية الأولياء لأبي نعيم 1 / 91 وفي مروج الذهب 2 / 401 ثلاثة أبيات .